محمد متولي الشعراوي
4004
تفسير الشعراوى
كثيرة ، وكل حرف له معنى يؤديه ، وهنا ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ، وإيتاء موسى الكتاب كان قبل أن يأتي قوله : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ فالتوراة جاءت ثم الإنجيل ، ثم جاء القرآن ككتاب خاتم . فكيف جاءت العبارة هنا ب « ثم » ؟ . مع أن إتيان موسى الكتاب جاء قبل مجىء قوله الحق : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ؟ ونقول لأصحاب هذا الفهم : أنت أخذت « ثم » لترتيب أفعال وأحداث ، ونسيت أن « ثم » قد تأتى لترتيب أخبار . فقد يأتي من يقول لك : لماذا لا تسأل عن فلان ولا تؤدى الحق الواجب عليك له ؛ كحق القرابة مثلا ، فتقول : كيف ، لقد فعلت معه كذا ، ثم أنا فعلت مع أبيه كذا ، ثم أنا فعلت مع جدّه كذا . إذن ، فأنت تقوم بترتيب أخبار . وتتصاعد فيها ، وتترقى ، ولذلك قال الشاعر العربي : إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جدّه فالسيادة جاءت أولا للجد ، ثم جاءت للأب ، ثم انتقلت للابن . و « ثم » في هذه الحالة ليست لترتيب الأحداث وإنما جاءت للترتيب الإخبارى أي يكون وقوع المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما لا بحسب زمان وقوع الحدث على أحدهما فالمراد الترقي في الإخبار بالأحداث . وانظر إلى القرآن بكمال أدائه يقول : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ( من الآية 11 سورة الأعراف ) ونعلم أن الأمر من اللّه للملائكة بالسجود لآدم كان من البداية . فسبحانه في هذا القول الكريم يريد أن يرتب حالنا ، إنه - سبحانه - خلقنا بعد أن صورنا ، وصورنا ، بعد أن قال للملائكة اسجدوا لآدم . وللّه المثل الأعلى ، تجد من يقول لابنه : لقد اعتنيت بك في التعليم العالي ،